رُقُم طينية أثرية

مقتطفات

هنا بعض النصوص والفتات المسماري المقتطع من ألواح رواية "أغنية سومر"، كلمات نبتت بين مجاري النهرين العظيمين، وحكايات تختبئ خلف الأسوار العتيقة.

اللوح الأول

 

 

ذلك ما حدث مع خصْمين صارا صديقين حُرَّين متساويين ثمَّ عادا يتربَّص أحدهما بالآخر، ذلك أنَّ معجزة حدثت للنسر فلم يمت. بل قُدِّر له أن يصبح أقوى مخلبًا، وأعلى جناحًا، وأكثر خصبًا، ونما ريشه فصار أجمل وأطول، وأصلب وأنعم. لم يعُد ذلك الطير المُنهك العاجز عن التحليق بعيدًا في الحقول وعاليًا في زرقة السماء. عاد وفرض سيادته من عُلاه ثانية وخضعت له السماء الدنيا ورضيت بعهده وقسَمه وميثاقه، كما رضيت بذلك وخضعت له الضفاف المقدَّسة، وعلى الأفعى فرض عهدًا جديدًا ثانيًا وشراكة جديدة وقسَمًا جديدًا على الوفاء له، وعدم الغدر به، عهدًا جديدًا بين نسر حُرٍّ وأفعى مقيَّدة. ستقبع في جحرها يومًا فيومًا ثانيًا..، لألف سنة أو يزيد، تنتظر يومًا سانحًا لتمزِّق فيه الميثاق شرَّ تمزيق، وتبعثر زمنه القديم – الجديد.

 

اللوح الثاني

  صمتت لبرهة وهي تتأمَّل الخيوط الذهبيَّة على ثوبها الأبيض الشفيف الموشَّى:

“ضخامة المعابد مرآة لعمق الفراغ الداخليّ، لعمق الفجوة في روح الإنسان! لن تسدَّ الحجارة الكبيرة ولا ألواح الأرز الفجوة الواسعة في الروح كشبابيك المعبد. لو كانت أصغر – الفجوات التي في القلوب – لأمكن الناس التعبُّد في كوخ صغير، أو على ضفَّة نهر، أو في ظلال دالية..”

أومأت لوصيفتها التي ترتدي الجلال والجَمال، وتشع كأنَّها ملكة الشرق كلِّه، انحنت الوصيفة:

“سيّدتي.”

“أيْ ننشوبور وصيفتي الطيّبة، صُبِّي الشرابَ القويَّ لهذا الفتى الذي قلبه على حَجر وعلى الأشواك وجهه.”

أردفت وهي تتأمَّل أطفالًا يلعبون تحت شجرة صَفصاف:

“لعلَّك أيُّها العابر لم تسمع عن سنمار من قبل، وبالـتأكيد لم تسمع عنه هنا في بابل ذلك أنه لم يولد بعد! سنمار هذا مهندس سيَبني قصرًا رائعًا[1]. وسيكون القصر أعجوبة زمانه. سيجعل كلَّ هندسته ترتكز على حَجر واحد فإن أُزيحَ الحَجر من مكانه انقضَّ القصر وصار إلى ركام. فعلتَ ما فعل سنمار قبلك: بنيتَ قصرك، معبدك الخاصّ، وجعلته يرتكز على حَجر واحد، “حَجر سنمارك”! حتى أنت نسيت أو تناسيت مكانه! ولكنَّها – هي – ولأنَّها تتقن فنَّ المرأة عرفت مكان الحَجر وأزاحته، فصِرتَ إلى ركام وتنتحب غير مصدِّق عينيك!”

أغلق جفونه على زجاج مكسَّر في شرايينه وعلى ثقل في فؤاده.

“بنيتَ معبدك على الرَّمل وجعلته يرتكز على حَجر واحد! لو اعتنيتَ بقلبك جيِّدًا لكفاكَ كوخ بسيط، أو دالية عنب أيُّها القادم من بعيد!”

[1] الإشارة هنا إلى قصر الخورنق الذي بناه سنمار لملك الحيرة النعمان بن المنذر، القرن الخامس الميلادي.

اللوح الثالث

” اراك تخاف الموت ونحن ما زلنا هنا؟ اعطني أذنا يا رجل البر: لو كان الجبن يدرأ الخسارات، ويجلب الثروات، ويرد النازلات، لكان رغم ذلك فعلا قبيحا يجانب الصواب والحكمة”

 

على لسان جلجامش.

من ” حكاية الأفعى والنسر”

 

اللوح الرابع

لم تنتبه إنانا لسيّد الحظائر المقدَّسة، اكتفت بتبادل الحديث مع الأب المحبِّ. اقترح دموزي على ننشوبور جولة في مراعيه وحظائره، فمشَت معه وفرحت وسعها لخضرة المراعي واتساعها، وعندما دنت من الحظائر وقفت بعيدًا، فهمَ دموزي ما لم تقُله: حظائره خصبة واسعة ولكنَّ حياته الخشنة تراها دون مكانتها هي الفتاة الجميلة، لمياء الشِّفاه، رقيقة الأنف، المتبرِّجة التي كانت ملكة الشرق يومًا، ملكة الشرق كلِّه، وصيفة هذا الزَّمان، وصيفة العالم كلِّه. فرحَت إنانا كثيرًا بحضارة إريدو، بشوارعها المبلَّطة، الزاقوراتِ التي لم تُبنَ بعد، مِزولة الوقت التي ستشيَّد على مدخل السوق، الحانات، نظام الريِّ الذي رأت، معبد العيون، وغرفة الأسرار، والبناء المشيَّد على شكل زعانف الأسماك[1] وغير ذلك الكثير ممَّا لم يعرفه البشر قبل إريدو. فتحت فمها تقول:

“كم أنت حكيم يا أبي وطيّب، لنستظلْ في ظلال الفلَّاحين ونرى عن قرب عمل البشر الطيِّبين.”

مشَت أمامه ومشَى أمامها، استظلَّت واستظلَّ، قطفَت من زهور الفُلِّ زهرةَ فُلّ، عطَّرت رئتيها وسألت بأنفاس معطَّرة:

“قصَّ عليَّ كلَّ الحكاية يا أبي: كيف نجا البشر من الفناء الثالث، وماذا فعل الطوفان بي؟”

فتح إنكي فمه يقصُّ عليها قصَّة الفناء الثالث: قصَّة الطوفان العظيم.

[1] هذا النمط من البناء لا زال موجودًا في جنوب العراق.

واصل الرحلة

هل ترغب في مواصلة القراءة؟

انتقل من المقتطفات إلى الفصل الأول الكامل من الرواية.

اقرأ الفصل الأول مجانًا